الثلاثاء، 19 مارس 2013

والله ما علمتُ عنكِ إلا خيراً

والله ما علمتُ عنكِ إلا خيراً، فما ظنُّكِ بعلمٍ أرْكزَتْه دماثتُكِ، ونقاء سريرتك، وانطراح همتك على كُلِّ ذي جَوْد، وسُمُو إرادتك عن كُلِّ ذي أَوْد، وهو ـ أي ذلك العلم ـ يحارُ في أن يكون بلا حقيقةٍ في حقيقةِ وضعِهِ، أو أن يكون بلا وجهٍ في وجه موضعه، وايم الله يا غالية؛ ما إخال ما انغرسَ منه ورَسَخ، إلا وقد طُمِسَ ودَرَس!
فما من ثوابتٍ عهدتُها فيكِ تُجِلُّ شَرَفَ قرارها، وما من مبادئٍ أكبرتُها تُهيبُ فيكِ خوض غمارها؛ ثم أين ذلك الإباء، والولاء، والحياء فيما ذهبتِ إليه مؤخراً من إيثار ما تشتهينَهُ، وإن كان دَنِسًا: إما بأصله، أو بميلك في إباحته عن الحق.
لا والله، ما هذا بيمينِ القول إلا أن تكوني في عِداد المُتَلَبِّسين بهذه النفس التي ما فَتِئتْ أن أرشدَتْ حُسن ظني إلى طُهْرِ يقينها في أساس المحافظة على كينونتها صفاءً، فبقاءً.
عرفتكِ عاقلةً لا تلتمسين التفاصيل التي لا تعودُ جُمْلةً إلا في حيِّز الهوامش التي لا تبْسُطُ عن عقل؛ ولا تتساور عن فكر.
ثم إني توسَّمتُ فيكِ شيئاً من الحكمة تنميه تلك التجارب المخللة بنظرٍ في دواعي الأفعال، ويستدعيه أمَلُكِ في الصبر على ما سيقبل، عدا أن تلكم الحكمة ما كانت لكِ سربالاً يسبل عليكِ من فيض الوقار والهيبة إلا ما كان في ساعةٍ من تواؤمِكِ معي تحتَ ظِلٍّ من شمس التشبب والنزق!
يا هذه، ألستِ من آثر الترغيب يوماً على الترهيب؟!.. ألستِ من زَعَمَ بأنَّ للبشائرِ مأخذاً هو خيراً مما للنذر فيه من اقتلاع؟!.. إنْ كُنْتِ ممن قال ذلك وهو يعي ما يقول، فما لي أراكِ لا تَتَأتَّيْنَ للحق إلا بالغلظة، ولا تنساقين له إلا وإفرازات الصَغار باديةً على محياك، ثم ترين لذلك السبيل مرأىً يصح في بعض، فتخطِّئينه في كُلّ، وما هذه من أمارات عقلك، بل هي من ركائز هواكِ الذي ضعضع ما مُلئتِ به من خير ونِعم، فأنشأتِ عُمُراً تُذْوِيْنَ أصله بمراهقةٍ لا يعرف العلم إلا أنَّكِ ممن قضى على نحبها عدداً. فأنتِ ممن أتى بها في غير وقتها هامسةً لي في تورد غريب: 
ـ ربما هو من التعويض.. فأنا كما تعلم ما راهقتُ إلا في القراءة والاطِّلاع، وما جهالةٌ لي في ذلك الوقت سوى ذلكم الهدوء، أفأكون راهقت؟!
لم أجبكِ حينها، عدا أني أحلت الإجابة إلى صادقٍ فيكِ، فاسمعي ما يقول: 
ـ نعم، مُصيبةٌ أنتِ في بعض ما قلتِ؛ ولكن الصواب يقف على ما تقولينه موقف الحقيقة في غايتها؛ ولكنه لا يجري عليه مجرى تقييم الغاية في حقيقتها؛ فأمر حيويتك البدنية استعضتِ عن كثيرٍ منها بكونٍ من حياتكِ العقلية، والتي لولا أنَّها كانت غالبة طاغية، لما تفشى فيكِ ذلكم الألق الروحي، وتفنن الأنفس في أن تصبو إلى الائتلاف معِك، ثم إنَّك لم تكوني إلا متأثرةً في ذلكم الائتلاف، وذا لم يكُ من قبل، الأمر الذي عجَّل بفقدانِك لشخصيةٍ كانت من التأثير كما هو تأثير ممن تتوثبين بسببه إلى كلِّ ما هو دَوْنٌ وتحت!
بحقي عليكِ ـ وإن كنتُ ذلك الصادق الذي تحنين إليه دوماً ـ فكري في سرِّ من تسعينَ خلفه؛ ولو بلمحةٍ من الأرشيف الأصيل الذي تحملينه، وإنَّ وريقاتٍ لتظمأ إلى ذلك.
أحبكِ، وإنَّ لي لعودة!

الجمعة، 15 مارس 2013

أنشودة التَّيْه / قصيدة


دمي مُراقٌ على وجهِ العباراتِ

دمعي دواتي وشعري صوتُ مأساتي

أهيمُ في عالمٍ ماضيهِ يبخسُني

ولستُ فيهِ على صُلْحٍ معَ الآتي

ترتادني نظَراتُ التَّيْهِ والهةً

فتسْتَتِبَّ بها طوعاً متاهاتي

ويعْبِسُ الحظُّ في وجهي فيرمُقُهُ

حِلْمٌ تبسَّمَ من خلفِ الكآباتِ

كم حائرٍ حالمٍ مثلي تُنازِعُهُ

يَدُ السؤالِ على أرضِ الإجاباتِ

لم أستطعْ وأنا مُغْمىً على قلقي

أنْ أستفيقَ على فجرِ انطلاقاتي

حتى الجهاتُ التي باتتْ بِأخْيِلَتي

لم تسْتقرَّ على جَنْبٍ بِمرآتي

بيني وبيني رؤىً قد كنتُ أحجبُها

لكنها لم تزلْ تُلقى على ذاتي

كُلُّ المسافاتِ أطوارُ الغيابِ وما

أفَدْتُ من مشْهَدي غيرَ انتكاساتي

السبت، 9 فبراير 2013

كَبُرْتَ يا هذا


بُرتَ يا هذا، ولستَ وحدكَ من يشعر بذلك أعلم؛ ولكنَّك لا تدري فيمَ كَبُرْتَ، فمسَّ التأمُّل منك جانباً من الحيرةِ وظللتَ على غير هدى!
أمَّا الزمنُ فما أخذَ لنفسه منك سوى عامٍ واحدٍ فَنَيَ قبل أن تشعرَ بِكِبَرِك. ولستَ بمن صعدَ درجةً في السلَّمِ الوظيفي أو المعيشي حتى تدرك صِغَرَ ما كُنتَ عليه أو ما كان حولك.
وليس جديداً جِدَّةَ المُستقبلِ زواجكَ حتى تعتقد بأنَّكَ أتعبْتَ زَمَنَكَ عزوبيةً ومراهقة، كما أنَّه ليس قديماً قِدَمَ الحقِّ حتى تراك به دون ولدٍ وتلد!
وما زلتَ تكبرُ يا هذا، وما زلتُ معكَ في معمعة الجهل في سببِ ذلك دون غيره، ولعلَّك حينما تبحثُ من تلقاءِ نفسِكَ بعد أن تكُفَّ عن النظرِ فيما سبقَ برويَّةٍ؛ تجدُ أن الانتقال ما بين طورينِ أحدهما كبير والآخرُ أكبر يأتي منطقياً إذا ما كان للتدرُّجِ معنىً ودلالةً فيه، وعليه فإنَّكَ لا يقِفُ عليه حِسُّكَ فجأةً، بل إنك لا تكاد تتذوَّقه إلا بعد مرحلةٍ تشيرُ لك على ما تغيَّر!
أمَّا البغتة التي انكشفَ عليها حجاب حِسِّكَ، فلذلك أبعادٌ مركوزةٌ فيما وراء العقل، قد تجدُ الكثير منها ذا معنىً منطقيٍّ في أغوار نفسك ومكمن عاطفتك!
وإن أكبرتَني في هذه، فلا تغتابُ وعيَكَ إن أنتَ ما استطعتَ أن تعزو ذلك الشعور إلى القصي من روحك، والبعيد من ذاتك فيك مما تعجزُ أن تطَّلعَ على الأطوار المنطقية لديه، فتدحضُ بها حُججَ عقلك فيما بدالك!
وثم إنَّه ليس من شيءٍ ذا بالٍ في برزخٍ من أنَّكَ كَبُرْتَ سوى أن تشعرَ بذلك وتعتدَّ به أمام نفسك، أمَّا ما عداه فَكِبَرٌ على كِبَرِك تشيخُ به همًّا وفكرًا وعمرًا.

السبت، 2 فبراير 2013

حفيدُك يا أبي

حُدِّثتُ بأنَّ تسمية الولدِ بالوالدِ ليست من لوازم البرِّ ولا من موجبات حُسن الصحبة؛ ولكني يا أبي ولأمرٍ أنت تعلمه ـ وقد لا تأبه به في برزخك ـ أردتُ أن أُخلِّدَكَ حاضراً في حفيدك لا غائباً عن ابنك منذ أن تجاوزتُ الثلاثة أشهر فقط.
حفيدُكَ يا أبي هو مادة قلبي التي أعرضها لك وأنا أُشهِدُ اللهَ على أحبك حتى ولو لم يكن ذلك إلا حديثاً لا يجري خاريج الصهاريج التي وضعها من يعتقد بأني لستُ أحبُّ فيك إلا الفطرةَ التي جبلني الله عليها!
حفيدكَ يا أبي هو أمَلُ الغيابِ في ألَّا يطول أكثر.
حفيدُكَ يا أبي هو ثمرتك التي أوزعتَ إليَّ بأن أتعهدها حتى تُظلِّلُ عليك معي، حفيدُكَ يا أبي ليس إلا أنتَ في نظر أبيه وكفى!
نُحبُّك عسى الله أن يرحمَكَ ويجمعنا بك في جنانه.

الأحد، 27 يناير 2013

انحسار

حَسَرْتِ كُلَّ شيءٍ منكِ أفاضَ عليَّ بالبقاء كما تعرفين وأعرف، وما عادت الأيامُ حبليَ الذي أفتلُهُ عن وجهٍ واثقٍ بالأوبةِ أنَّى رحلتِ!
لكنَّها رحلةُ الأبدِ من حيثُ أن طرحتِ متاع الإيابِ في ذاكرةٍ معطوبة.
أمَّا أنا فكنتُ أعلم أني رهنُ مزاجك، وأسيرُ رغبةٍ من رغباتك التي ما كانت تشتهي وفائي إلا حينما تضيقُ بها سُبُلُ الجفاء عني، أو تعود تلك الذاكرةُ إلى ما عُهِدَ في ذهنها فتعمل!
وكما تعتقدين دوماً، وبالطريقةِ التي تتوافقُ مع ما اتَّصفتِ به من عزِّةٍ عليَّ دون غيري؛ تظلُّ البداياتُ تصدرُ عني حتى وإنْ عزمتِ الزيارة!
وهانئةٌ أنتِ وأرضى بالقليلِ منكِ خشيةَ العدم، ووالله ما زلتُ أعجبُ من شرِّ ما ابتُلِيتُ به، ومن سوء ما أدفعُ به بلواي، حتى أني ما فتئتُ أدرأ عن رايةِ الرجاء التي ما زلتُ أحملها بأعذارٍ تطفَّلتُ بها على مائدة الحكماء، ولستُ منهم وقتيَ ذاك أبداً.
أجل هو ذاك وليس ذا؛ لأنَّها الأيام وما ظننتُها إلا أن تكشف لي مدى ما أسُقِطَ في يديها منكِ؛ ولكنَّها كانت أمضى عزماً من الإرادةِ التي تسلَّطتِ بها عليَّ، وأشدَّ حزماً من قيمةِ جزعي على الفقد، فكان أن عدتُ من حيثُ مدَّ انحسارُكِ أفقَ رؤيتي القاصرة.
أتدرين؟ أصبحتِ كما الغيب الذي رأيتِني به من قبل، فانسقتِ أمام فطرة الفضول في معرفة ما لم يُعرف وكفى، حتى إذا انكشفت رموزي عليكِ ألفيتِ غايتَكِ في جزْرٍ عما فوق ذلك؛ ولكنَّك حينما تكونين غيباً عدايَ فأنتِ غيبٌ من حيثُ أن يدرِككِ العقل، ويعلم بما لا يُرجى من إحاطتهِ بما لديكِ، فَمدَّ بأجنحةِ التجاهلِ يقي بها الاحترام الذي يكنِّه لنفسه دوماً!

الاثنين، 21 يناير 2013

ثالثة الأثافي/ قصيدة

أنأبى العزَّ إلا من خِلافِ
لعَمْري تلك ثالثةُ الأثافي
يدُ الزنديق لا تحنو ولكن
أيادينا تُربِّتُ بالتجافي
وما واللهِ يخذلنا طِعانٌ
ولكنّ الرِّماحَ بلا ثِقافِ
صبرْنا بيدَ أنّا ما ظفرنا 
بغيرِ العجْزِ والجَزَعِ الخُرافي
وتثكُلنا بحمصٍ كلَّ يومٍ
حرائرُ هُنَّ أشجعُ مَن يُوافي
وأطفالٌ تدوسُ الموتَ غضًّا
فينجو الموتُ ينجو بالمَخافِ
وأحرارٌ جحاجحةٌ كُماةٌ 
شِعارُهمُ أغيرَ اللهِ كافِ
أنلْهَجُ بالإخاء وقد نسينا 
دمَ العذراءِ في ثوبِ العفافِ
أنلهجُ بالإخاء وما غضِبْنا 
لِحمزةَ حينَ يُذْبحُ كالخِرافِ
أنلهجُ بالإخاء ولا إخاءٌ
لنا إلا على رُوحِ الخِلافِ
فيا اللهُ أدركنا فإنا 
تقادمَ ليلُنا والفجرُ غافِ

الأربعاء، 2 يناير 2013

واختلى بنفسه


دونك البلاد الشاسعة والقفار الواسعة، فصُبَّ فيها من نفسك ما يجعلك ذا قيمة!
هل يُسعدك أن آذيتَ نفسك؟ أنت قادرٌ على اغتراف الحزنِ من فمِ الذاكرة المُطبق أنَّى شئت؛ ولكنَّك تنحى قدرتك تلك عن كشف سنِّ بسماتك. لِمَ يا تُرى؟
 أتؤثرُ الأسود على الأبيض، والجرح على البُرء، والداء على الدواء، وكفن الموت على مهد الحياة؟!
من أيِّ البشرِ أنت؟!
أمِمَّن انكبَّ على الأرض فما فَطِنَتْ له السماء؟ أم ممن تقرَّب إلى السماء فلفظته الأرض؟ أم تُراك ممن لم تعرفه إحداهما، أو كلاهما؟!
بالله أين أنت؟
جِدْ لي نفسكَ, أأنتَ معكَ أم تولَّيْتَ عنك؟
انفث، فقد يملأ هذا هواءك الفارغ من أسباب الحياة. انفث فمثلك يقوى على النفث، ثم بُث، حتى يكلَّ بك لسانُك، وتزدريكَ آلامُك، وتعْتمُّك أحزانُك!
هل في ذلك شفاء؟ أم نسيم امتثال لعافيةٍ ما؟!
ممَّ تشكي؟ إخال أنَّ ألمك مما لا تعرف له صفةً فضلاً عن أن تحدد له موضعاً حسياً أو معنوياً، ثم فضلاً عن أن تجد له مسلكاً في الشكوى.
لكنني على كل حال، أعلمُ أنَّه ألمٌ والذي خلقك.
ثق في ذلك الصبر الذي صرفت نفسك عنه إلى كل شيءٍ اعتقدت أنَّ فيه البلسم والدواء فإذا به لا يخلو إلا منهما، وظلَّ ذلك الصبرُ أمامك لا يسترجيك ولا يستعطفك غير أنَّه يردد لك في صمته الذي تراه سمةً له: أنا لها، أنا لها.
  

ثمنك باقٍ ما بقيَت كلماتك تبوح عنك، صدقني أنت لن تتكرر مرةً أخرى، إذا لم يكن على هذه الأرض، فعلى هذا الحيز من الإنسانية الحقة التي بلغتها وأنت قد بذلت من روحك روح الإيمان بنفسك، حتى تلاشيتَ قيمةً أكبر من أن تبصرها رؤية، أو يحيط بها نظر.  

الخميس، 6 ديسمبر 2012

حين أراك


حين أراك لا أذكر إلا أنني أعيش هذه اللحظة بكلِّ ما يحيطُ بها من حياةٍ وجماد، من مكانٍ وزمن؛ وكأنني للتوِّ أنبجسُ من العدم؛ بيد أني لا أعرف في لقائي بك إلا أن أفترَّ عن ثنايا الفرح أعضُّ بها على عمر اللحظة التي أعانقك فيها فلا تعرف الموتَ أبداً!
دائماً ما أحلمُ بتلك الضحكة المجلجلة وأتصورها في خيالي وهي تأتي هكذا دونما سبب، فأسعد جراء مرورها وهميةً كأمنيةٍ طالما تمنيتُ أن أعلق بجناحها وهي تطير؛ ولكنني لم أتصور أن أتجسد بروح تلكم الضحكة بحقيقةٍ تتماسُّ مع مشاعري تماساً ظاهراً لا أستطيع إلا أن أتلمسَّه في داخلي، بل وإني لم أمقتُ أواني ذاك إلا الأحلام وقد أحالها الواقع الجميل إلى زًقاقٍ عطنٍ برائحة الأماني البائسة. أجل حدث هذا وصدر مني؛ ولكنني لم أكن وحدي أبداً، كنتِ أنتِ اليمين المفقود من اللوحة التي رسمها خيالي آن ذاك، بل وكان هذا الهناء هو الكأس الذي أدليتُ برأسي قريباً من فمه مدارياً رسم القهقهة على وجهي؛ ولكنك كنتِ تبسمين بسمة أمٍّ أبداً ترضى عن ابنها حينما يتشكل بغير طبيعته الأولى فيها!
ولأنني لا أعرفُ إلا أن أدلفَ إلى قلبكِ بيمينِ شوقي رضيتِ أبداً أن أخرج على أي شكلٍ من الحنينِ الذي أقسمتِ ذات مرةِ أن تطوين بعده لظروفٍ تتأبطه بدلاً من أن تبسطَ له لافتاتها التي لا تشيرُ إلى أملٍ ولا تنتهي إلا عند مفازةٍ من السلوى.
كنتُ دائماً ما أقولُ بأنَّ الكلام عنك/ معكِ وَعِرُ المسلك، صعب الانقياد، عسيرٌ على مثلي أن يتأتى له ولو بعد حين؛ ولكنَّك كنتِ ـــ مع حبي ـــ لا تستسيغين هذا مني، وتمجِّينه من فور أن ينطرحَ عليك ثمره ولمَّا ينضجْ بعد، ثم لا يردك بعد ذلك إلى الحقيقةِ التي هززتها فيكِ إلا تلك المتاهاتِ التي يدورُ فيها تعبيري مخلَّفاً في إثره المعاني العميقة التي لا تفصح عنها إلا تلكم اللهفة التي أماطت الجفاف عن نظري حين أراك!   

السبت، 24 نوفمبر 2012

عيون تالا / قصيدة

هي الفرحة الأولى، وحسبك ألم يكن لها قبل!



يهابُ الحزنُ فيَّ عيونَ تالا
وأحْمَدُهُ رَزَقْنيها تعالى
فَمِنْ بَعْضيْ تَورَّدَ عُمْرُ بعضي
وَأورقَ في الحشا غُصْنٌ ومالَ
وَرَنَّقَ في الحنايا طَيْرُ سَعْدٍ
وَحلَّقَ بي ودادكِ حَيْثُ آلَ
فَدُوني مِن شَغافِ القلبِ بنتي
وأبْعَدُ من غَوانيهِ جمالا
أموتُ لها وفي الآثارِ حيٌّ
مِن الأشواقِ شدَّ لها الرِّحالا

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

سأقول لطفلتي

سأقولُ لطفلتي أن الابتسامة هي أصدق لغة من تلك التي ننطق بها حينما نعبر عن فرحنا، كما أني سأخبرها أن الدمعة إشارةٌ على أن تلك اللغة من الابتسامة قابلة للتطور والاشتقاق.

الأربعاء، 24 أكتوبر 2012

رائحة المطر


موعدُنا رائحة المطر، ولا أظنَّكِ تذكرين هذا لأنَّك لستِ على علمٍ به أصلاً، ولكن منذ أن تثنى الغيابُ وأسبلَ رداءه الأصفر على الحيزَّ الذي نشغله ونحنُ لا نعرفُ من الالتقاء إلا موسماً لا تأتي به سوى الأمنيات!
تلك الأمانيِّ المحفوفة بالرغبة في الانعتاق عن كلِّ ما هوُ حالكٌ في جوانح الأمل الذي يحدونا ونحدوه، والليل هاوٍ على السماءِ مذ جثم الزمنُ على صدر العزم فينا، وكفَّت الصروفُ يدَ ما اتفق منها لعابرِ الوصلِ إلا ما كان رَشَحاً من أرواحنا طَرَقَ باب المنام فأجابه!
وأجوبُ الوقتَ أبحثُ عن الحليمِ فيه يُتيحُ لي منفعةً أجدها في انكبابي على الأثرِ العالقِ من البينِ في أضلعي بيدَ أني ما ألفيتُ وقتاً سمحَ أو سمِعَ بهذا!
وأعودُ أدراجي إلى الموطئ الموبوء الذي ما شفَعَ لي بالخيال الخصبِ أستزيدُ منه وسيلةً تُقِلُّني حيثُ ظننا الحسن في ألا نتأخرُ على أنفسنا أكثر من هذا، أعودُ إليه كمُغرمٍ ما ذهبتْ به الغفلة إلا عن ذاك الغرام فنبَّهته الأجزاء التي تشاكلت وتماثلت فيه وفي من عاد إليه جرَّاء ذلكم النداء الخفي، وهذا ما وقع عليَّ من هذه الأرض القاحلة الجرداء التي تشاكلتُ وإياها في كلِّ شيءٍ حتى في طلب المطر!
ولأنَّه الفصلُ الذي لم يأتِ بعدُ، فموعدنا ذرائعه حين تعبثُ الريحُ بأطراف ذاكرتي، وتقتلع السوافي جذور ما حال بيننا، ويلبس البردُ مِعطفَاً بلَّلَه رُضابُ الآخَرِ من كلِّ شيء، وحين تعبس العاصفة في وجه الليل فُتشيبُ رأسه آذِنةً بنهارٍ يقولُ: هيتَ لكُما!
هُناك حالما تتظلَّلين بالكامنِ من الشوق، والغابرِ من الحنين الذي لا يبطُل، سيأتيكِ البشيرُ وسيرمي بقميص الوعد فتنبعثُ رائحة المطرِ زاكيةً، وأمتطي سحابةً من جذوة قلبي يُطفِئُها اللقاء!

الجمعة، 19 أكتوبر 2012

وكان الأمر


وكان الأمرُ على ما يشتهي الفضولُ منكِ، وكان أن انكشفتُ عليكِ فسقطتُ من البرجِ العاجي الذي صنعته خواطرُ غموضي في نفسك، وشدة جاذبيتي لكِ؛ إذ لم أكن بين يديك فتملكتني، تماماً كما يفقد الكاتب أو الأديبُ صورته البهيَّة المنعكسة عن أحرفه في صدور قرائه أو معجبيه ساعةَ أن يسمح لهم بالاقتراب منه أكثر، فيطلعهم على بعضٍ من الأمورِ التي لا تبرزُ إلا بإخفائها، ولا تُشتهى إلا حين أن تحاط بتمنُّع، فهي تُبتغى في كونها غامضةً لا واضحة!، فالقارئ مثلكِ في هذه الحالة لا يخرج إلا وقد غَنِم، وأدركَ بأنّ السببَ الذي بيني وبينه قد انتفى، وما من جديدٍ يبعثُ انكبابكِ عليَّ إلا أن أكونَ شخصاً آخر غيري!.
إيهِ يا هذه، أتذكرين تلك الورقةَ التي تقدَّمتِ بها إليَّ، مُطَلْسِمَةً بها إيَّاي حتى أكاد لا أعرفني، بل إنني وددتُ حينها أن ألتقي بذلك الكائن الذي ما كان إلا أنا ـ حسب قولكِ ـ فضلاً عن أن أقضي عمراً أفتخر بأن أكونه، بيد أني علمتُ فيما بعد بأنَّني ما كنتُ في ورقتكِ تلك إلا وسيلةً لغايتك فيَّ خارجها. وهذا معدودٌ في غياهب نفسك والآخرين من الطباع المحمودة التي نفدي بها نظراءنا في سبيل المحبة؛ وما ذلك إلا مما راق لكِ بعد أن راج عندكِ، والحقيقة بمنحى لا يتقاطع واعتناقكِ بهذا المبدأ، ولتعلمي بأنَّك صادقةٌ ولكن مع حاسة طمعكِ في أن أكون مطمعاً لكِ عبر صورةٍ ناظرتني بها بعين الجلالة، ومُحِقَّةٌ ولكن في انخداعكِ لهوى النفسِ الذي زيَّفنا إلى بعض؛ بيد أنَّ إفاقتكِ منه أجلى مما عليه صاحبكِ الآن، ويا حسرتي إذ كنتُ أجلدني بسياط الأسئلة التي أرى فيها أثرَ العطفِ ممزوجاً بلومٍ أعلمُ أنَّه لن يكشف عن سوءتي هذه؛ ولكنه أقرب إلى أن يكون ألماً راسياً عليَّ فيما بعد، وهو مما لا أوده من بواقيكِ التي أعودُ معها إلى أحلامٍ تحقَّقت على غيرِ دنياي هذه، وإلى قواعدَ ما خِلتُ أن يقوم عليها الكونُ يوماً ما؛ ولكنَّه القليلُ الذي ما أسكرَ كثيره يا هذه!. 
إيهِ يا هذه وقد مضى على ذلك العهدِ فِراقُ ما بيني وبيني الذي أخذتِهِ معك، فما أنا بعده في حلٍّ من نفسي ولا عنها؛ ولكنني أصطلحُ معها في ماضيكِ الذي يُنعشُ بربيعه ونسيمه حاضراً لا يأنسُ به قلبي ولا يألفه.
وإيه يا هذه وما أجمل الذكرى التي لا تتأتى إلا بكِ في زمنٍ كنتُ فيه فارس أحلامك، وصادقَ أيَّامِك، وآيةَ الواقعِ الأجمل، والذي بشأنهِ بقيتُ أنفسَ ما لكِ عندي!