الأربعاء، 23 يوليو 2014

عدوان في فنتة الكرسي

جوناثان بن باقوم، لقبَّه أبوه بجندب، يغرق المركب الذي يحمله وأباه في رحلة تجارية، يموتُ الأب ويبقى الصبي والألواح الخشب مادة تجارتهم. حينما يصل إلى شاطئ جدة يتعرف على عمر بن الخطاب، فيذهب به وبالألواح إلى مكة، ثم يتعرف الصبي بأهل مكة: يتحدث مع عثمان، والشيخ أبي طالب، وعمرو بن العاص الذي يصبح أحد أصدقائه المقربين فيما بعد، ثم ينتقل معه وعمر وعثمان إلى غزة موطنه وأمه في أحد رحلات أهل مكة التجارية إلى الشام. كل هذا وجندب لم يكن من أقران هؤلاء الرجال عمراً، فكان في سن العاشرة وهم في ريعان شبابهم؛ لكنه كان يعرف الكثير من علم أهل الكتاب؛ إذ كان نصرانياً وكان أبوه يعلمه الكثير مما يعرف، تحدث إلى أصدقائه بأحاديث أذابت ذلك الفارق العمري بينهم حتى أصبح مكيناً لديهم. كان يذكر لهم وهو من أهل الشام طبيعة الصراعات التي بدأت واستمرت على كرسي الامبراطورية البيزينطية منذ قرون بعيدة حتى وصل بمعرفته إلى الامبراطور الحالي، وذكر ما جرى بين الروم والفرس من اقتتال بينهم وبين أتباعهم من ملوك العرب الذين كانوا في أحيان كثيرةٍ سبباً في نشوب المعارك بين الفريقين، ذهبوا في تلك الرحلة عند راهبٍ في بصرى، ذكر لهم عن قرب ظهور النبي الجديد وأنه من قريش، كان معهم في تلك الرحلة أمية بن الصلت وهو من ثلاثة لم يرتضوا أن يعبدوا الأصنام في قريش، وكانوا يبحثون عن الدين القويم؛ ولكنه طمع أن يكون ذلك النبي، فلما وصف له الراهب شيئاً من صفات النبي المنتظر علم أنه ليس هو وآلمه أن يسخر منه رفاقه في تلك الجلسة.
رافق جندب فيما بعد إلى الإسكندرية من غزة عمرو بن العاص، دون سببٍ واضح؛ لكن جندب درس هناك في مكتبة الإسكندرية، ثم عمل لعمر عيناً حينما أصبح خليفةً للمسلمين على الروم، وتبعه في ذلك عثمان حينما أعلمه جندب بطبيعة عمله السري مع عمر، فأرسله إلى معاوية لأنه هو من كان يدير الشام وهي على تخوم الروم، ثم كان من الناس الذين شهدوا زمن مقتل الخليفة، واختلاف الصحابة في موقعتي الجمل وصفين، يذكر بعض ما روي عنها ممن كان رأساً للفتنة أحياناً وثقةً أحياناً أخرى.
هذه الرواية باختصار شديد، ولأنني معجبٌ بعبد الجبار عدوان في روايته الأولى راوي قرطبة إذ أعمل فيها من حقيقة التاريخ شيئاً يأبى إلا أن يعجب به القارئ، فإني أعتب عليه كثيراً في روايته هذه التي كانت تحمل التاريخ دون روحه، وتستطلع أن تكون بناءً فنياً متكاملاً أو شاهقاً بديعاُ؛ لكنها بدت متهلهلة جداً من هذه الناحية. طغت على فنية هذه الرواية التقاريرُ المعلوماتية التي تصدرها الأحداث الجمة والجمة جداً التي حملها على عاتقه في إضبارته هذه المصنوعة من وهمية جندب الذي لم يكن إلا كذبة لم تنطلِ على القارئ أينما حل وارتحل في صفحات الرواية ـــ على أن الأدب أو القصة أجمل كذبة ممكن أن يمررها العقل على النفس ـــ. تجد تلك الوهمية الواضحة الفاضحة في اللغة التي يتحدث بها جندب وبعض الصحابة في بعض المقاطع التي لا تمت بصلة إلى تلك التي يذكرها هو نفسه المؤلف أو جندب في كثير من المقاطع الأخرى التي تُروى على لسان أحد الرواة الشاهدين على حدث من تلك الأحداث، سرعان ما يبادرك اللحظ وأنت القارئ ذلك الانفصام الشديد الزمني واللغوي بين ما يقوله جندب وعمرو في حوارٍ لهما من صنع المؤلف مثلاً، وقول عمروٍ نفسه في أحد تلك الروايات، أجل تعرف أن عمراً ما كان إلا هناك في بطن ذلك التاريخ بصفحاته التي يرويها الرواة والتي نُقِلت في مقاطع غلبت على الكيف والكم السردي من الرواية، وهذا يضع كثيراً من قدرة النص على أن يقف على أرضٍ صلبة يعتمد بها على أن يثبت ثم يعتليَ فيشمخ.
الموضوع الذي خاض فيه عدوان عن زمن الفتنة منذ مقتل عثمان رضي الله عنه، واختلاف طلحة والزبير ثم معاوية على علي رضي الله عنهم أجمعين، موضوع شائك جداً ومختلفٌ فيه وعليه، ولم يوفق عدوان فيه أيضاً حينما كان هو في حقيقة روايته الحدث الأبرز، سواءً أكان صراعاً على الكرسي بزعمه هو حين سمى به الرواية، أم كان حقيقةً من جانبٍ آخر لا يفيض به من لا يملك كثيراً من العلم، أقول لم يوفق عدوان هنا أيضاً؛ ليس لأن الموضوع في اختلاف الصحابة شائكٌ وقد انشطر المسلمون منذ ذلك إلى فرق فقط؛ ولكن لأنه كان يجب أن يكون دقيقاً أكثر في الروايات التي ينقلها، نحن نعرف أن لتلك المعارك وتلك الفتن روايات كثيرة منها الموغل في الضعف، والغائر في الوضع، والصحيح المشوب بحكم الهوى؛ وهو في تقريره الروائي حين ينقل رواية واحدة عن أي حدث، فإنه ملزومٌ بأن يؤمن بصحتها والاعتقاد بها، فإن كان ذلك كذلك فإنه حكم في أمرٍ وقع حقيقةً وكان فيه من قبل الصحابة الأجلاء ثم التابعين والعلماء تأويل وتفصيل وتفضيل وحكم، فاختلف الناس، وهو الأمر الذي كان يجب على عدوان أن يتجنبه ويكون محايداً؛ بخلاف جندب الراوي الحقيقي المفترض لتلك الأحداث الذي كان محايداً جداً وهو في خضم تلك الأحداث، وهذا لا يتوافق مع المنطق والعقل، وهذا شرخ كبير في المصداقية وطعنٌ فيها أكبر من طعن صورة الزمن في اللغة المحكية في الحوار والمقاطع المروية من قبل. كان يجب فنياً على الأقل أن يرتئي جندبُ رأياً في ذلك وإن بالاعتزال على اعتبار أنه من أعيان تلك الفترة. برز لي رأي المؤلف لا الراوي في الجناية على أبي ذرٍ رضي الله عنه، منذ حكاية اعتراضه على عثمان بالخلافة وقوله بأحقية علي إلى اختلاق بعض الأحاديث عن فضل علي رضي الله عنه بما لا يصدق به عاقل في زمننا هذا، فكيف بأبي ذرٍ رضي الله عنه، وهو من هو في منزلته من الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم إنَّ في ذلك التخمين ـــ الذي يعتبره بعض الكُتَّاب تأملاً ـــ شيئاً من الحكم على النوايا وهو ما لن يعلمه عدوان ولا غيره من ذلك الصراع الذي زعموا أنه للسلطة، فأصبح الصحابة الذين باعوا دنياهم مع الرسول، وطمعوا في أن يلقوا الله والجنة، وعبَّقَ الأرضَ والتاريخَ ذكرهُم، أهل دنيا يتقاتلون عليها! ما كانوا أولئك والله وهم من قد عرفنا سابقتهم وفضلهم وإن كان من شيء فيما بينهم فلله ولما ظنوا بصحته وصوابه دون أن يكون للدنيا في نظرهم فيه خيار، حتى في تلك الاختلافات البسيطة يلمح حبيبنا عدوان في استنتاج " جندبه " ـــ الذي كان محايداً هنا أيضاً وهو ينقل هذه الرواية ـــ إلى أن لحظِّ النفس منها نصيباً أوحد كما جرى بين عمر وخالد حين عزله بأبي عبيدة، وهو ابن خاله، إذ زعم كما غيره بأنه جراء صراعٍ قديم بينهما وأن شيئاً من ذلك غشي قلب عمر! غشيه وهو في تلك المنزلة من الأمة ليكره أو يأخذ موقفاً معادياً ممن؟ من خالد بن الوليد سيف الله المسلول، والقائد الفذ البارع وابن خاله أيضا؟ شيء غريب، حتى إنه لم يذكر حينما توفي خالد رضي الله عنه أسف عمر وبكى وقد كان يطوي في يدهع ورقة فيها إعادة خالد لمكانه المعروف، وقد ذُكر في موضعٍ سئل عنه ـــ لم يسقه عدوان هنا ـــ  فيما يبدو عن عزله لخالد، بأنه كان يخشى أن يفتتن الناسُ به وبانتصاراته. وهذا للحياد.
قفزة الروائي مما قبل البعثة إلى اليوم الذي استشهد فيه عمر لم تكن مؤثرة في البنية لأنها لم تكن صلبةً من البداية، وسيقت لخدمة المعنى الذي يريده الروائي من الخلاف والاختلاف على الإمارة.


وبعد، فلن يثنيَّني هذا التقييم وهذا الضعف في تجربة عدوان هذه من أن أقرأ له روايةً أخرى تكون شبيهةً بما حكاه عن الأندلس في راوي قرطبة، وإن كنتُ تمنيتُ إن كان لديه شيءٌ في هذا الموضوع خاصةً ألا يناقشه في روايةٍ ما وبهذه الطريقة؛ لأنه لو ابتدر للتاريخ نفسه وصنع كتاباً مسنداً من كل ما يعتقد أنه يملكه من براهين وحجج واستنباطات وتقارير ومعلومات لكان حرياً به أن يأخذ بين أقرانه مكاناً جيداً.

الخميس، 3 يوليو 2014

في ساق البامبو للسنعوسي


رواية ماتعة، قلما أقرأ بجودتها عربياً، لستُ أعرف الروايات التي نافستها على البوكر في حينها؛ لكنها قطعاً تستحق الإشادة، مضى فيها السنعوسي بسلاسة عذبة وكأنَّ ذلك الفلبيني الكويتي يمليها عليه حقيقة لا ابتكاراً من رأسه هو. فكرة السنعوسي في أن يجعل روايته رواية لجوزيه أو خوزيه أو عيسى لها مترجم ومحقق فكرة جيدة جداً، والأجمل كذلك أنه تحدث عن الانتماء المهزوز في الخليج العربي، وأن الانتماء فيه للبلد بحسب المصلحة أو ما تقتضيه الضرورة، إذ إن هناك انتماءات أخرى ليس أولها الطبقية الاجتماعية ولا آخرها وأشدها جذوراً القبيلة التي تسلسلت منذ أزمان قديمة في صفحات هذه الأرض. رغم أن الراوي فلبيني بالأغلبية فإنه لم يتحدث عن الفلبين في ميزان نقده بالعقل، كما تحدث عن الكويت بإسهاب مجمل ومفصل في علاقات أفراد المجتمع ببعضه، وبالأجنبي عنه، في طريقة عيشه، عمله، تفكيره، لهوه، لبسه، شكله، عاداته تقاليده، كانت الفلبين بالنسبة له حبيباً لا يستطيع أو لا يود الخوض فيه، رغم المرور العرضي على بيع الآباء بناتهم لأوكار الزنا، واستقلال الفرد من الأسرة استقلالاً شبه كلي إلا أنه لا ينفي ذلك الحب الذي قد تظهره هدية رمزية بسيطة جداً كولاعة سجائر زهيدة الثمن،.
في الحقيقة وبعيداً عن مشكلة عيسى وانتمائه إلى اللاشيء بين الكويت والفلبين، والغصة التي تصاحب هذا البحث المضني عن الهوية رغم أنها أمام عينيه إلا أنه لا يستطيع لمسها بيده، أقول وبالرغم من ذلك، فإني آنستُ جانباً من حياة الأجانب المغتربين في بلداننا هنا وكيف هي احتياجاتهم ومعيشتهم حين تلفظهم أرزاقهم هناك إلى هنا، بتُّ أتعاطف معهم أكثر بعد هذه الرواية.
لا شك أن تجربة السنعوسي في ساق البامبو بدت ناضجة، ولا شك أنه خيب أملي حين اعتقدتُ أنه بلغ من العمر عتياً حين سمعت بالرواية وبفوزها بالجائزة فإذا به شاباً مبدعاً في مقتبل العمر.
شكراً سعود السنعوسي، رواية تستحق القراءة.

سلامٌ آل غزة

وَما مُتْنا؛ ولكنْ عاشَ نِصْـفُتَغَمَّدَهُـمْ عَـنِ الأحْيـاءِ قَصْـفُ
هُناكَ بِـأرْضِ غَـزَّةَ إنْ خُذِلْنـافَمِنَّا، غَيْرَ أنَّ الضَّعْفَ ضَعْفُ
فلا عَرَبٌ تُزيلُ الخَوْفَ عَنْهُـمْولا أمْـنٌ مِـنَ الكُـفَّـارِ يَصْـفـو
تَـواريْـنــا بِـسَـوْأتِـكُـمْ، وَإنَّــــاعـلـى آثـارِكُـمْ حَتْـمـاً سَنَقْـفـو
إذا مــا بِيْـعَـتِ الـدُّنـيـا بِـدِيْــنٍفَنَحْـنُ لهـا وَلِلْأمْـجـادِ سَـقْـفُ
وَمَـنْ يَكُـنِ الهَـوانُ لَـهُ إلَـهـافَلَيْسَ لَهُ مِنَ الأشْيـاءِ صِنْـفُ
تُعَـزِّيْـنـا الـجِـيــادُ إذا مُـنِـعْـنـاجِهادَهُمُ، لها في الحَرْبِ شَفُّ
وَتِــلْــكَ سِـيُـوْفُـنـا مُتَـعَـلِّـقَـاتٍعلـى أسْتـارِنـا: أفَــلا تَكُـفُّـوا
سَــلامٌ آلَ غَــزَّةَ حـيــثُ أنْـتُــمْتَلَقَّـوْنَ الشَّهـادَةَ حِـيْـنَ نَغْـفـو
ســـلامٌ آلَ غَــــزَّةَ إنْ بُـلِـيْـتُـمْبِنا فَـوْقَ البَـلاءِ فَـذاكَ عُـرْفُ
وَصَـبْـراً آلَ غَــزَّةَ إنَّ وَعْـــداًمِـنَ اللهِ سَيَأتِـيْ لـيـس يَجْـفـو


في يناير 2009، ولأن تاريخنا يعيد نفسه بأسرع مما نتصور هاهي الآن

الثلاثاء، 29 أبريل 2014

ما عاد هذا الحبُّ لك / شعر

ما عاد هذا الحبُّ لكْ
ما عاد هذا الشوقُ لكْ
ما عاد هذا الوردُ يعصرُ 
خمرَ حبٍّ أثْملَكْ!
ما عاد هذا الوصلُ يُذكيْ 
فيك مِسْكَكَ، صندلكْ!
ما عاد للزمنِ الذي 
آلفتَهُ أن يبذُلَكْ
ما عُدتُ ذاك المُبتلى
ما عُدتُ قيداً كبَّلكْ
ما عُدْتُ أعقِلُ كيف لي
في ما مضى أن أعقِلَكْ
يا من تسوَّر بالظنونِ
أكان شكُّكَ مُدْخَلَك؟!
أم أنها أنواءُ صدقكِ 
لا تبينُ لِتخذُلَك؟!
فتذوبَ في فلك النوى 
وتلوحَ إلا مُجْمَلَك
باح الهوى بسريرتي
وكتمتَ أمراً أخجلكْ
وتبعتَ نفسك تزدري 
ما بات فيك، وليس لك!

السبت، 18 يناير 2014

جناح الحلم

قصُّوا جناحَ الحُلمِ فابْتلَّ الثرى 
بِدَمي، بِرِيشِ الواقعِ المجهولِ
لمْ يقنع الموتُ الأخيرُ بِتِرْكتي  
فتثاءبتْ سَكَراتُهُ بِخُمولِ 
فحيِيْتُ صبراً أستميحُ من النَّدى 
وطناً يخُصُّ بقيَّتي بِهُطولِ
أنا من زمان اليأسِ أدلجني الرجاءُ 
تقيَّةً خلْفَ التُّقى المأهولِ
فنفضْتُ ساعاتِ المخافِ فما جَرَتْ 
إلا وقفْتُ بِكُرْبَةٍ وذهولِ
حولي الحقيقةُ في كُمُونٍ أنطقتْ 
صمتي القديمَ على لسانِ عَذُولِ
شتَّانَ بين سلامةٍ وندامةٍ  
شتَّانَ بين تورُّدٍ وذُبولِ
يا أيها المُحتارُ هل وَجَبَ الثناءُ 
على النُّجومِ إن انبرى مدلولي؟!
أمْ أنَّها تلك الغُيُومُ تقشَّعَتْ 
عن بعضِ شكري للهُدى المَتْبولِ
قصُّوا جناح الحُلمِ واروا مُهجتي 
خلفَ السرابِ على خُطى المخذولِ
أنَّى نظرْتَ فلن ترى لي حيزاً 
 ملئي سوى في الموطئِ المشغولِ 
أحتاجني، أحتاجُ أفهمُ أنني 
هذا الذي بقيودهِ يدعو لي
أحتاجني ألَّا أموتَ من الأسى 
أحتاجني ألَّا أزيدَ حُمولي 
قصُّوا جناح الحلم؛ لكنْ حلَّقَتْ 
روحي بأجنحةِ الغدِ المأمولِ

في 13 / 3 /1435هـ

الثلاثاء، 7 يناير 2014

( لمى ) اذكرينا عند ربِّك!

يسعدني أحياناً أن أتألَّم، وأتوجَّع، وأغوصَ في بحر الألم حتى لا أنجو منه بغفوةٍ تخلو من الأكدار التي أقرَّها في نفسي ذلك الألم. كلُّ ذلك يسعدني أحياناً كثيرة، لا لشيءٍ خارجٍ عن إطار العقل والمنطق؛ ولكن لأشعرَ بأنني في جانبٍ مُظلمٍ أُنيرُ كإنسانٍ ما زالت الإنسانية تصبُّ فيه بعضاً من ماء ينبوعها الصافي، ولا يكدره وإن بغفلة.
هذا ما كنتُ أشعرُ به وأذرع ساحاتِهِ منذ أن أباتَ البئرُ في أحشائه ( لمى ) تلك الطفلةُ التي أستهجنُ فيها قولي " تلك الطفلة "؛ لأنها في عيني أقربُ من " تلك " وأبعد في محبتي من كثيرٍ أودعت الحياة نسماتهم في قلبي.
أعادتْ ( لمى ) مجرى إنسانيتنا المتردِّم حين وخزتْ بطفولتها وبرائتها قلوبنا فأدمتنا أكثر مما لو كانت أكبر من ذلك الطور العُمُري الذي هو في حقيقته غايةُ الأطوار والمراحل كلها في أن تبقى الفطرة كما هي نقيةً طاهرةً لم يأتِ على طرفٍ من أطرافها تلوثُ الحياة أبداً.
( لمى ) التي كلما نظرتُ إلى ابنتي ودميتها، أحسستُ بأنَّ قلبي يُنتزعُ من مكانه مرتين: واحدةٌ على الخيال المُرِّ الذي يراودني عن تجرُّعِهِ قريباً مني، وأخرى على ( لمى ) حينما أغور في تفاصيل تلك الرمال التي ابتلعتها، والدميةِ التي وددتُ ألَّو حملتْ بين جنبيها روحاً  لم تخلق إلا لتؤنسَ ( لمى ) في تلك الغياهب من الجُبِّ!
كنتُ أموتُ على أن أستبشرَ بحياتها، منذ سادسِ يومٍ مشؤومٍ علقت فيه؛ لكن ذلكم الخبر طال انتظاره حتى بلغ اليوم التاسع عشر حين علمتُ بأنهم عثروا على أشياءَ / أشلاء منها...
تعتصرني لوعةٌ، وترهصني حرقةٌ كلما ركض حدسي صوب استغاثتها وقد كان من الممكن أن تنجوَ لولا قضاءُ الله في ذلك الإخفاق في انتشالها، وقِصَر اليدِ التي امتدَّت لها لتنقذها.
نعم، هو قضاءُ الله وقدره لا شك في هذا؛ لكن القضاء لا يكون قضاءً نُسلَّم له بالتقصير والعجز، كان من الممكن أن يعْتدَّ ( الدفاع المدني ) لمثل هذا ويتأهب، وكان من الممكن أنَّه إذا شَعُرَ بعيبٍ ما في آلته وأداته وفكرته أن يستعين بما لدى غيره منها من قريبٍ أو بعيد، وكان من الممكن أيضاً أن يُدركَ بأنَّ ما تحتَ هذه التُربةِ روحٌ منَّا لنتداعى لها بخيلنا ورجْلنا!
وداعاً لمى..
وداعاً يا صورة الآخرةِ بوجهها الحسنِ في روحكِ الطاهرة التي حلقت بنا حول الجنان، وبهولِها وفزعِها الدائبِ في فوهةِ بئرك المتربِّصة، وجورابك ودبدوبكِ الخالد!
وداعاً بُنيَّتي.. ستظلَّين عالقةً في أحشائنا وجعاً لا يكاد يخفُّ قبل أن تكوني غصَّةً على كلَّ من منحه اللهُ قدرةً ولم يصبّها في استطاعته!
إلى اللقاء بٌنيَّتي..

اذكرينا عند ربِّك!

الخميس، 5 ديسمبر 2013

إني إليكِ مُطوع

مـا كُنـتُ أحسـبُ أنَّـهـا ستصُـدّنـيأوْ أنَّــهــا عــــن قـلـبـهـا تَـتَـمَـنَّـعُ
لــكــنَّ فـاتـنـتـي أدارتْ ظـهــرهــاوتعـزَّزَتْ، فأبـى عليهـا المَوْضِـعُ
يا كُلَّ ما أهوى ومَنْ كان الهـوىفــي ذاتـهـا، إنِّــي إلـيــكِ مُـطَــوَّعُ
فالتَّـيْـمُ تَيْـمِـيْ والصبـابـةُ هـاهـنـالــكــنَّ طِــفْــلَ ودادهـــــا يَـتَـقَـنَّــعُ
ويــلاهُ إنْ أَلِــفَ اللـقـاءُ غيـابَـهـاهــلْ للتَّشَـتُّـتِ بـعـد ذلــك مَـجْـمَـعُ
إنْ زادتِ الحسَنـاتُ منهـا أكْـبَـرَتْفيهـا الـوصـالَ فَعِـنْـدَ ذلــك تَقْـطَـعُ
لَوْ كـانَ لـي فـي أمْرِهـا مِـنْ قُـوَّةٍما كنتُ أضعفَ من هوى يا مَرْبَعُ
مــا كــان ذلــك باخـتـيـاري إنَّـمــاهــو مَـذْهَـبٌ فـيــهِ أُقـــادُ وَأُدْفَـــعُ

في يوليو 2008

الخميس، 7 نوفمبر 2013

خاطر الفجر

أطبقت على صدري الأضلاع، وكادت أن تخرج نفسي لشدّة تلك الضمّة، فلا أنيس من الأفكار يبهجها لترجع، ولا صوتَ عقلٍ لديها لتقنع.
أمَا وإنّ زفراتي زفرات مكلومٍ لا دواء له، وعبراتي عبرات مهمومٍ لا فرج له، وإنّي حينما أرى ذلك من نفسي أعود فأقرعها بمزيد من الإيمان الذي لولا أن ضَعُفَ؛ ما صنعتُ الذي تصاغرتها بشأنه، ثم أعود معها، فأرجع عنها إلى أن نفترق ويقضي الله أمراً كان مفعولا.
أيا قَلِقَةً بما لا أخاله قَلِقَاً، هل أدلُّكِ على ما هو خيرٌ لكِ ولي؟
نتحاور؛ لننظر مواطن القصور بنا، فنصلحها ونقوّم معوجّها، فإنّا لا يَحْسن بنا أن نتخاصم أبد الدهر ونهلك جوارح هذا الجسد فلا تتحقق رغبات كلٍّ منّا؛ بدافعٍ من العناد والهوى.
لا أرى لهذا الحزنِ سبباً، وإنّ ما خلّفتِه في بؤبؤ العينين من وَلَهٍ لحجّةٌ عليكِ لا لك.
أوَ تحسدين الجاهل بما حصلّتِه من علمِ واختزنتِه وكنزتِه؟! إنّكِ والله لم تتجاوزي أن تكوني مثله إن لم تَكُنِيْ أجهل منه؛ ذاك لأنه لا يعلم ما هو فوقه ولا ينشغل بما هو دونه، وإنّما يعرف ما يعنيه فيعتني به متجاهلاً غيره، فلعمري قد أنصف نفسه وما أنصفتِني إذ وهبتُ لكِ أضعاف ما وهب لنفسه، كيف لا؛ وقد انشغلتِ بالتوافه، وفترتِ عن التطلّع، فلم يعد لما يعنيك معنىً بينهما!

أتحاجّين زجري بشفافيتك؟! وتشتبهين في حبّي بتعقيدك ؟! وتتوهّمين ضعفي بتأييدك؟! وترين غلبتي بتبخيسك؟! وما ذاك إلا لمداراةٍ ومدّةٍ أرجأتكِ فيها؛ لتتحرّكي دون وازع منّي، ولتتحرري دون عتقٍ من أحد، ولتُقَدِّري ما أمَّلْته فيك.
أمّا زجري، فلا يخلو من إقالةٍ لعثرةٍ تكررت، فناسب أن أزجر بعد أن صمتُّ في الأولى، وعلّمتُّ في الثانية، وصبرتُ في الثالثة.
أمّا حبّي، فمن ذا الذي لا يحبّ نفسه، غير أنّي طغيت به حتّى أفضتُ به على الغير.
وأمّا ضعفي، فلاأراه إلا حلماً أوشك أن يغضب، وما عِلْمكِ به إلا كعلم الجاهل بما لدى العالم، وإنّي والله لقادرٌ على أن أوثّقكِ وأسيّركِ طائعةً راهبة إلى حيثُ أريد وسأفعل ما دمتِ على ذاك.
أمّا غَلَبَتي، فإن لم تكُ لكِ فلمن ستؤول ــ ويحكِ ــ حين تحقِّريها، أمَا كابدتُ الأهوال، وسهرتُ الليالي، وشققتُ الصعاب لأجلك ولأجل سلامةٍ في رأيك وافقتكِ عليها، أَوَ تتنكّرين لي بعد ذلك؟!

أيا حائرةً بما لا أراه محيّراً، اعرضي لي ما تخفينه دوني، فإنّي لا أعلم منكِ إلا ما أطلعتني عليه، واعلمي أننا ما إن نضع نقطاً على الأحرف، سنعرف ما تعني. ولا تبهمي في رغبةٍ فأعجزُ عن كشفها، ولا تطمعي فيما ليس لي عليه يدٌ فتهلكي بتهلكتي، وإنّي والله لأرى فيكِ طمعاً؛ آملُ أن تبلّغيني به إلى الجنّة، وهذي يدي!

الخميس، 3 أكتوبر 2013

إياب / قصيدة


أنا عائدٌ، وجهي دليلي 
رغم آثار السنينْ
رغمَ العُقودِ الضُرِّجَتْ 
بدمي، بآهات الحنينْ
رغم المسافات التي 
أقرضتُها عُمُري المَدينْ
رغم المكان المستعار
بموطئٍ أقصاهُ طِيْنْ
أنا عائدٌ والشوقُ أثْقَلَ
خُطوةَ الألمِ الدَّفينْ 
والرَّيحُ لا تأتي بِهَمِّي
أوْ تُثيرُ جوىً مَكِينْ
والذكرياتُ البيضُ فوقي
ظُلَّةٌ مِمَّنْ بَقِيْنْ
والليلُ هذا مُهْلِكي
لولا مساءاتٌ وَشِيْنْ
والصبحُ أدركَ وَتْرَهُ
لكنْ على فجْرٍ حزين

* * * *

أنا عائدٌ منِّي إليَّ 
وفي فؤادي أسئلةْ 
لكنما لا ظلَّ لي
فيها يُعِيْرُ الأخْيِلَة 
هل يحصدُ العُمُر الجديدُ
من المنايا سُنْبُلةْ 
أم هل تُراهُ الوقتُ
يذْخَرُ طاقتي كي أقْتُلَهْ
كم أقْبَلَتْ طوعاً إليَّ 
جوارحي مُتوسِّلَة
لكنني لم ألتمسْ 
عذراً لها كي أقْبَلَهْ
أنا عائدٌ من وَقْعِ هذي 
البِيْد يَنْكَئُني الوَلَهْ
ويَقَرُّ في عينيْ ملامٌ 
لستُ أُبْصِرُ مُجْمَلَهْ
لكنني ماضٍ إليّ
على خُطايَ المُقْبِلَة

الأربعاء، 18 سبتمبر 2013

أفَلا يُهِيْبُكَ مَنْطِقِيْ أمْ أنَّ في الأيَّامِ سِرَّا / شعر

أفَلا يُهِيْبُكَ مَنْطِقِيْ أمْ أنَّ في الأيَّامِ سِرَّا
أمْ أنَّ في عُسْرِ الَّذِيْ يَهْواكَ بَعْدَ الحُبِّ يُسْرا
ألِأنَّنِيْ أسْفَرْتُ عَنْكَ فَتَرْتَ ثُمَّ نَزَحْتَ تَتْرى
ما كانَ يَجْرِي لَوْ كَشَفْتَ لِيَ الغَرامَ فَباتَ ذُخْرا
أوْ في الوِصالِ بَدَأْتَنِيْ أوْ في الصَّبابَةِ كُنْتَ أدْرى
لِمَ حِيْنَ أقْرُبُ تَنْتَشِيْ بُعْداً وَتَأْتِيْ حِيْنَ مَسْرى
لِمَ تَسْتَلِذُّ بِلَوْعَتِيْ، لِمَ تُشْعِلِ الأحْشاءَ جَمْرا
لِمَ تَشْتَهِيْ أَلَمِيْ وَهَمِّيْ وَاكْتِسابَكَ فِيَّ وِزْرا
لِمَ لا تكونُ بِمَعْزِلٍ عَنْ كُلِّ ما يَزْدادُ بَطْرا
لِمَ أنْتَ.. أنْتَ، وَكِبْرُكَ الْمَعْمُوْرُ أكْبَرُ مِنْكَ عُمْرا
وَكَأنَّكَ الْعُذْرُ الَّذِيْ لا يَسْتَمِيْحُ الْيَوْمَ عُذْرا
ما بالُ غُصْنِكَ لا يَمِيْلُ بِهَمْسَتِيْ وَيَلِيْنُ قَسْرا
وَتَجَرَّدَتْ عَنْكَ الْهِدايَةُ في الْهَوى، فَكُسِيْتَ مَكْرا
أغْراكَ ضَعْفِيْ، فَاقْتَدَرْتَ بِهِ عَلَيَّ، وَخُضْتَ بَحْرا
وَسِعَتْكَ فِيَّ مَشاعِرٌ ضاقَتْ عَلَيَّ بِوِسْعِ أُخْرى
وَبَلَوْتَنِيْ، حتَّى إذا جَهِدَ البلاءُ مُلِئْتَ سِحْرا
وَلَقَدْ رَضِيْتَ بِغِيْرِ وَجْهٍ أنْ تَكُونَ عَلَيَّ وِزْرا

27/3/2008

السبت، 24 أغسطس 2013

فَضُلَت ولكنْ في الرَّذيلة


تعرَّفَتْ عليه في إحدى غُرف المحادثات الكتابية الإنترنتية. راق لها هزلُهُ، وأعجبها جِدُّهُ، فَحَسُنَ له حديثُها، وزانت له الحكمةُ الضالة من أسلوب تعبيرها المنمَّق، فاستظرفتْهُ واستلطفها حتى جرى منها بموضعِ جرت عادةُ من مثلها فيه بأنْ تملأ به الشاغِرَ منها، لتشغل من وقتِ فراغه شيئاً مسَّ فيه غريزة لم تشبعها تلك التي سكنتْ قلبه.
صدقته حينما قالت له بأنَّها متزوجةٌ ولديها طفلان، بينما كذب هُو حينما أجابها عن عدم ارتباطه بفتاة قط، بل ظنَّ أنَّها إنَّما تضيَّق عليه بسؤالها ذاك؛ ولكنَّها في حقيقة الأمر لم تكترث بفكرة الارتباط من عدمها؛ وما سألته إلا لفضولٍ عابر، أو لشيءٍ هو من بواعث تحقق ذلك الرجل من صدق ميلها إليه في جانبٍ عَلِمَ به بعد أن مضت أربعةُ أشهر؛ عندما طلبت منه بأن يشدُّ الرحال إليها، وهو من تعرف نزقَهَ وطيشَه في أن يفعل ما هو أكبر من ذلك.
لم يمنحها لحظةً من التفكير بالعدول عن رأيها، بل توجَّه إليها قاطعاً المئات من الكيلومترات، وهو على شمس من الأمل لا تغيب في أن ينعمَ بالجحيم الذي أصبح جنَّةً في عين شهوته، وهو الذي أمِنَ تغليق أبوابها عن زوجها البائس الذي ارتبط مع عمله في نوبةٍ لمدة أربع وعشرين ساعةً، استجمع لها قُوَّةً من نومٍ، وكَنَزَ لها طاقةً من راحة؛ فمضى في سبيل رعاية أسرته، وأن يؤمن لهم حياةً كريمة؛ ولكنَّه ما عَلِمَ بأنَّ ذلك الأمان الذي ظنَّ أنَّه مطوِّقٌ لأسرته؛ إنَّما يُقيَّدُ عليهم دونه بحضرةِ رجلٍ غريب، وما رواحه ذاك إلى عمله إلا كَدٌ في عرضه، وشرفه، لا في بَدَنِهِ وقوته!
وثُّمَّ إنَّه ليس إلا أن قيل للغريب: هيتَ لك!

وليس بأولى من أن يُلام، ويهوي من سماء الفضيلة سوى تلك المرأة التي لولا أن ارتضت على نفسها؛ لَما انتُهِكَ عِرضٌ، وذهب شرف، واهتزَّ عرش، وَلَما تلطَّخَت الدنيا بدم العفاف، وأنا حينما أتحدث بهذا أحيل الاغتصاب الذي هو شأنٌ آخر خارج هذه الورقة، لنكون على بيَّنةٍ من أمرنا؛ ولئلا يقذفنا من لا يفهم في هذا الحديث إلا التطرف الذكراني ضد النساء، وتعليق رذائل الأمة في جلباب المرأة، وهوى نفسها؛ حتى لو لم تُرخِه عليهما؛ ولستُ لأقِفَ موقفي هذا ضغينةً، أو تتبعاً لمعايب أجتزئ منها ما يؤكد تلك الضغينة؛ ولكنَّه الألم الإنساني الذي اهتزَّت له مشاعري في هذه القصة. وقد بَلَغ بي الحَزَن مبلغه حينما تفكَّرتُ في حال الزوج الغافل، وفي عيونٍ بريئةٍ لطفلين لم يُغمضْهُما القليل من حياء تلك الأم التي نَزَعَتْ مِنْ نفسِها صفة الأمومة، وأقرَّتْ أن تصبح مدرسةً؛ ولكن على الضفاف الآخر مما قاله شوقي، وهي لا تفتأ عن أن تكون بمنأى عن فضيلة إعدادها وتخريجها لشعبٍ صالح لا يحتمل معه طفلين أبت تلك السيَّدة أن تمنحهما نظرةً لا تكسرها حادثةً عابرة من حوادث الأيام؛ وزوجاً ما حَفِظَتْ له غيباً، ولا راعت له غفلةً ما كانت لتكون إلا رعايةً لها في وظيفته التي رزقهم الله بها. ولا كانت محلاً لثقته التي أولاها إليها في أن تنوب عنه؛ ولكنَّها ما استطاعت إلا أن تغدُر به في مقامه، وأن تخون أول ما تخون نفسها، وأن تنكث العهد الذي أبرمه الحياء مع النساء، وأن تطفئ غضب العفاف بماء خضوعها لشهوتها، وأن تسعى في خراب بيتها.
وقد يقول قائلٌ شغوفٌ بخلق الأعذار، بأنَّها إنَّما فَعلت ذلك تلبيةً لحاجةٍ جنسيِّةٍ ما قضاها زوجُها لها، أو أنَّه ما أتى على تمامها. وقد يقولُ آخر بأنَّ الفراغَ غوايةٌ لها فيما أقدمت عليه! وليس لذلك وجْهٌ وقد قيل:" لا عُذرَ في غدر".
وإن أخذنا تلكم الأعذار مأخذاً صادقاً للبحث عن سببٍ وجيه، فلن نُكَذِّبَ إلا عقولنا؛ لأنَّ المعاني التي تبْرِزُ لنا الشرف والعفاف والحياء والوفاء؛ إنَّما يكونُ سبُبُها من المرأة. ولا تزال تلكم المعاني في شَرَفٍ وفضلٍ ما استَقَرَّتْ روحُ المرأة بين جنبيَّ ألفاظها، الأمر الذي يُخَلِّدُ في تلك الغايات النبيلة، والمقاصد السامية افتقاراً إلى طبيعةِ تلكم الروح التي إن اعتورها نقصٌ، وأرمضها خللٌ فما هي إلا أن تتولَّد معاني الفسق والفجور والغي؛ فلذلك لا يُبَرَّرُ عن الكبير بما هو أصغرُ من صغيره، ولا يُعتذرُ عن العلو بما هو دون دونهِ في المنزلة، ولا يُبحَثُ عن سببٍ لسبب؛ وعليه فليس للمكتسَبات يدٌ على المرأة؛ لأنها هي من تسقي تلك الأشياء مِن خلائقها وطبائعها؛ إن فضيلةً وإن رذيلة!
كما أنِّي أتمنى أن أقَعَ على الكيفية التي تَمَكَّن بها نساء المسلمين من أن يَحْفَظْنَ فروجهنَّ، ويَصُنَّ أعراضَهُنَّ، وَأنْ يَكُنَّ سِمَةً للعفة والشرف؛ برغم الدواعي التي تضعفهنَّ الضَعْفَ الذي كان قوةً في تلك المرأة الخائنة؛ أقول أتمنى أن أقع على تلك الكيفيَّة حتى أجِدُ لصاحبتنا باباً تدخُل فيه؛ ولكنني أنكفئُ إليها وقد كفاني طِيْبَهُنَّ عناء ذلك!

اللهم احفظ نساءنا ونساء المسلمين يا رب العالمين، واجعلنا وإياهُنَّ مؤمنين صالحين، ولا تجعلنا فيهنَّ من المغبونين، ولا عنهنَّ من الغافلين!

الثلاثاء، 13 أغسطس 2013

حدِّثيني

حدثيني، حدثيني عن موقع الأيام من نفسك حين أغيبُ فيها عنكِ، هل ترينها أياماً من الزمن، أم زمناً من الأيّام؟!

أمَّا أنا فلا أظنُّكِ في الهوى تلقيكِ رياحه حيثُ شاءتْ كما تفعل بي؛ إذ إنني لا أعملُ فكري إلا في نظرٍ لما يصدرُ منكِ إن حدث بيننا سكنُ عاطفةٍ وتأجج أخرى، أو حين تطمرين مشاعرَ لا أرانا بطمرها ممن يتمرغ في نعيم التيم، فتصمتين صمتاً أعود فيه إلى كُلِّ ما يثبتُ أنك تبادليني به الشعور نفسه، فأراه برؤية من في قلبه مرضُ الشك، وفي عقله عافيةُ يقينٍ بهذا الشك، فما أنظرُ للأفعال التي كنتُ أحتجُّ بها على تفردي لديك إلا أنَّها يشترك فيها معي غيري ممن هو دون مني منزلة، وأنني بعاطفتي لأحكم على نفسي بهوى لا تتداعى له سائر الإنسانية بالسهر والحمى، إذ إنَّه من قلبٍ زاد على أن يكون أعمى، بأن وهى حدسهُ، فما ناظره إلا حدسُه، وما ماثله وكافأه سوى ما خرجَ منه، وهو ذات ما دخل فيه من طبيعة وكينونة؛ ولكنني أنشدُ الواقع فيما بعد ذلك، وأستشير ثقةً فيما بين عقلي وقلبي، أعود معهما أزفرُ خوفاً وقلقاً واضطراباً كان اعتدال الهوى باعثهم منكِ لي، فما أكاد أنتشي حتى يسابقني انكماشك، وما أكادُ أضيقُ حتى تسعينني حباً، فلله تاسعُ جدٍّ أنتِ منه!
ووالله إنِّي لا أشعر بغايةٍ للذتي في عشقك، وبآخرَ في التعبير عما أكنه لكِ سوى أنْ أشتمكِ شتيمةً عالقةً بطيفكِ إن غبت، وحين تتوسَّط بيننا عُقَدُ الأنفاس التي تنبعث من ولهنا في الاقتراب حتى نسكنُ بعضنا، وهذا ضعفُ المُحِب إن أردتِ الحقيقة، وليس هو ـ أي المُحِب ـ إلا أنا في ما شرع قلبانا به، إذ إنَّه لا يستطيع إلا أن يسيلَ كُله في بعضٍ من نزف، وهذا من تمامِ ما يشعر به، في حينَ أنَّ قوتك وارتكاز عقلك بعاطفتك؛ حاصلٌ ونتيجةٌ لذلك الوهن الذي بدا مني، فأنتِ أبداً يدُ الحب هذا وما أنا منه إلا خاتمٌ في تلك اليد!

يقول الحكماء أو الفلاسفة، بأنَّ من أحبَّك على شيءٍ أبغضك على فقده، وإنني حينما أفهم تلك العبارة تمام الفهم، أرى فيها غير شيءٍ من الصحة، وتوفيقاً وتسديداً حينما تكونُ الدوافع أغلب ما تكون بهيمية، لا ترتفع بذاتها عن تلك المنزلة، إلا بقدرٍ أطلبُ فيه منك بعضاً مما أعطيك؛ وهي ـ أي الأعطيات ـ ليست رجعاً مني، أو منحاً من رضا نفسك، بقدر أن أرى رسْمَ ذلك العطاء، وقد حملتهُ تباشيرُ وجهك، فاصطنعت له روحُك تاجاً من العرفان، والإكبار، ومعرفة ما لي عندها لا أكثر!
عدتُ بذاكرتي إلى بواكير لقائي بكِ في هذه الدنيا التي تفضلَّت علي بأن جمعتني وإيّاكِ في موطئٍ من مواطئ إيثارها، فما وجدتُ باعثاً منكِ إليَّ فطنتُ له سوى اقترابك مني، واهتمامكِ بي، وما أظنُّ إلا أني أحببتُ محبتكِ لي بدءاً، ثم انخرطتُ في سلكِ روحك حتى لا أعرف لي منه مخرجاً، وإن كنتُ شحيحاً في إيجاده. صحيحٌ أنَّ عينيكِ بهما من الجمال ما يغني ملامحك الأخرى عن أن تكونُ لذاتها؛ ولكنها لم تنادني نداءً علنياً، وإن كان في نفسي من ندائها الخفي شيءٌ ما علمتُ كنهه؛ على أنني أجزمُ بأنها لم تكن أمَّ انشغالي بك. وأنا إن أحببتُ روحك، فلجذبٍ كان منها لي، فما أحببتُ قبلاً إلا حاشيةً حففتِني بها من اهتمامٍ والتصاقٍ على غير تهيئة، ودخولٍ في حياتي من أمام ما لا وعْيَ لي به، ومن خلف ما أعي، فكنتُ الآخِذَ الذي لن يزالُ مأخوذاً من بعدُ، وهذه هي التصاريف، حتى في الحب، فمتى ما أقبلتُ كلي، أدبرتِ كلكِ إلا شيئاً يسيراً يبقي على كبير ما بيني وبينك، ومتى ما لوَّيتُ بقلبي: إمّا نافراً مما بدر منكِ، أو متعززاً كطبيعةٍ اكتسبتُها منكِ، حتى أعودَ متأججاً أكثر مما كنتُ وإن كان بقليلٍ إنسانيةٍ تعطفين بها عليَّ، وهذا لا يعني أنَّكِ تهمليني آن أن تشعري مني ببوادر بعد؛ بل إنَّكِ لو تثابرين في القرب الذي يلتهب حين ابتعادي، أو تأخري، لكنتُ وإياكِ في علاقةٍ طردية لا عكسية!
وأنا على ذلك ومنه لا أدري ما الذي أحببتُه فيكِ، لأبغضكِ على فقده، فدعيني والفلاسفة في كفةٍ وقلبكِ في كفة لأرى، وسأعود في غير ما قلت، وهذه ليست سوى سابقةٍ، فانتظري!